المحامية د.رباب المعبي : اقتصاديات حقوق الملكية الفكرية في القطاع الرياضي
أضحى القطاع الرياضي خلال العقود الأخيرة صناعة اقتصادية متكاملة، حيث باتت حقوق البث الإعلامي، والعلامات التجارية للأندية والبطولات، وحقوق استغلال صورة اللاعبين، والابتكارات التقنية المرتبطة بالأداء الرياضي، تشكل الركائز الأساسية لاقتصاد الرياضة على المستوى العالمي.
تمثل السوابق القضائية الدولية من أهم المراجع التي أسهمت في ترسيخ البعد الاقتصادي لحقوق الإعلام الرياضي، ويأتي في مقدمتها حكم محكمة العدل للاتحاد الأوروبي الصادر بتاريخ 4 أكتوبر 2011م في القضيتين C-403/08 وC-429/08، والذي مثل محطة مفصلية في إعادة التوازن بين حماية الحقوق الحصرية للبث الرياضي، ومتطلبات المنافسة المشروعة وحرية تداول الخدمات داخل السوق الأوروبية الموحدة. وقد أكد هذا الحكم أن حقوق البث ليست مجرد حقوق تنظيمية، بل أصول اقتصادية تخضع لاعتبارات المنافسة وحماية المستهلك، بما يعكس التحول الجوهري في النظرة إلى حقوق الإعلام الرياضي بوصفها أحد أعمدة الاقتصاد الرياضي الحديث[1].
وفي سياق هذا التحول، شهد عام 2024م قفزة غير مسبوقة في القيمة العالمية لحقوق الإعلام الرياضي، حيث تجاوزت لأول مرة حاجز 60 مليار دولار، مدعومة بدورة الألعاب الأولمبية الصيفية وبطولة أوروبا، لتبلغ القيمة الإجمالية 62.61 مليار دولار، بزيادة قدرها 12% مقارنة بعام 2023م، وفقًا لتقرير SportBusiness Global Media. ويعكس هذا النمو المتسارع المكانة الاقتصادية المتعاظمة للرياضة بوصفها سوقًا استثماريًا قائمًا بذاته[2].
وفي هذا الإطار، أبرمت رابطة دوري كرة السلة الأمريكي (NBA) اتفاقيات حقوق إعلامية عالمية تمتد لمدة 11 عامًا بقيمة تقارب 76 مليار دولار مع شركائها الحاليين شركة ديزني، والوافدين الجدد NBC وأمازون، على أن يبدأ سريان هذه الاتفاقيات خلال الفترة من 2025م إلى 2026م، وهو ما يجسد بوضوح تصاعد أهمية حقوق الملكية الفكرية في منظومة الرياضة الاحترافية[3].
لم يقتصر استغلال حقوق الملكية الفكرية الرياضية على البث التقليدي، بل امتد ليشمل المنصات الرقمية والتفاعلية. فقد أعلنت وكالة Sports Business Media إبرام اتفاق محتوى عالمي ومتعدد السنوات بين الرابطة الوطنية للهوكي في كندا وشركة Disney Streaming Services، يتضمن عرضًا أسبوعيًا عبر منصة Snapchat يستعرض أفضل عشر لقطات رياضية أسبوعيًا، إضافة إلى إنتاج محتوى رقمي موسمي يعتمد على مقاطع وصور ينشئها الجمهور.
كما كشفت شركة Sports Innovation Lab في عام 2017م عن اتفاق أبرمه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) مع شركتي Fox وفيسبوك لبث دوري أبطال أوروبا عبر المنصات الرقمية، مما أسفر عن تفاعل 34 مليون مستخدم وتسجيل 98 مليون تفاعل مع المحتوى المنشور. وبالمثل، أبرمت خدمة بث الأولمبيات اتفاقًا مع شركة Intel في عام 2018م لالتقاط أكثر من 50 ساعة من اللقطات الرياضية باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي، في نموذج يعكس الانتقال من “المشاهدة” إلى التجربة الرقمية[4].
وفي السياق ذاته، استحدثت خلال البطولات الأوروبية لعام 2018م في برلين وغلاسكو مجموعة من الأدوات والخدمات القائمة على الواقع الافتراضي والواقع المعزز (AR)، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي للبث وفرعه التجاري Eurovision Media Services، بهدف تعزيز تفاعل المشجعين وإثراء تجربتهم عبر تقديم بيانات رياضية ثلاثية الأبعاد ومعلومات فورية داخل الملاعب وخارجها[5].
أمام هذا التطور، أصبحت حقوق الملكية الفكرية أحد أهم ركائز الاستثمار في المجال الرياضي، لما توفره من حماية فعالة ل